الاثنين، 30 يونيو 2008

الفقيه العربي بن المقدم المنيعي المزابي الشاوي

تمهـــيد:


في منطلق هذه السلسلة من تراجمنا لأعلام وعلماء منطقة الشاوية عبر العصور، نتناول واحدا من أكبر وجوهها خلال النصف الثاني من القرن 19م، ألا وهو الفقيه القاضي العربي بن المقدم المنيعي المزابي الشاوي، وتنتمي فرقة (أمنيع) التي ينحدر منها إلى قبيلة (أولاد أمراح) إحدى القبائل المزابية القاطنة في الجزء الجنوبي من الشاوية العليا (بلاد العلوة)، ومركزها الحالي هو مدينة (سيدي حجاج) – بلدية أولاد أمراح -.
كتب عن هذا الفقيه عدد لا يستهان به من كبار المؤرخين المعاصرين من أصحاب الموسوعات والتراجم الكبرى، كابن زيدان في (الإتحاف...)، والعباس بن إبراهيم في (الإعلام..)، أومن مدوني التقاييد التاريخية، كابن داني في (الدرة السنية..)، ومحمد غريط في (فواصل الجمان..)، والقاضي العربي العزوزي السطاتي في (نشر المحاسن..)…
وكان الأستاذ العلامة المرحوم بالله سيدي محمد المنوني قد خص المترجم له هنا بإفادات غميسة بالغة الأهمية، وذلك في مداخلته بالملتقى الدراسي الأول المنعقد بمدينة سطات في مارس 1989حول موضوع (تاريخ وفنون الشاوية)، كما نتوفر بدورنا على معلومات أخرى حول هذا الفقيه استقيناها من مخطوط غير مطبوع بحوزتنا، وهو من تأليف الفقيه العدل بمدينة سيدي حجاج، العلامة غازي مولاي أحمد الحجاجي، يحمل اسم:(البذور الضاوية في تراجم الفقهاء قضاة الدار البيضاء والشاوية) .
ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى أن هذه المصادر المطبوعة أو المخطوطة، لا تتوفر في مجملها على كل الإفادات الضرورية لبناء ترجمة متكاملة للفقيه العربــي المنيعي، وقد آثرنا رغم كل ذلك إدراجها في مستهل هذه السلسلة، آملين أن يساهم هذا العمل في تحرير مكنونات ذخيرته النائمة لدى بعض حفدته.
تتمثل هذه الثغرات في عدم تعرض المصادر المذكورة بالتفصيل الكامل للمراحل الأولى من تعليم هذا الفقيه، كما أغفلت التطرق لسلسلة شيوخه في المراحل اللاحقة من رحلته العلمية، ونستثني من ذلك ما أورده صاحـــب ( الإعلام..) مما سنذكره في حينه. لكن أكبر ما نسجل على هؤلاء هو تقاعسهم عن ملاحقة بواكير أنتاجه الفكري، أدبية كانت أم فقهية، ويتحملون في ذلك أكبر المسؤولية نظرا لكونهم هم الذين أيقظوا حماسنا عندما أطنبوا في الكلام عن شاعريته الفياضة وعلمه الواسع: (..ولما رأيته يوشي القرطاس بقلمه، ويلفظ الدر من كلمه، استدعيته لمؤانستي وانتخبته لمجالستي، لأغترف من بحره وأقتبس من نفاث سحره..).
وهناك ثغرة أخرى تتعلق بسنة ومكان ميلاده، إلا أن صاحب (البذور الضاوية..) يورد إشارة مقتضبة تجعلنا نعتقد أنها كانت ما بين سنتي (1841 و 1843م)، ومما جاء فيها (.. مات الفقيه القاضي أبو المكارم سيدي العربي بن المقدم المنيعي الناصري عام 1318هجرية/الموافق 1900م وهو دون الستين بقليل، مختنقا في أحد الحمامات الشعبية بمدينة طنجة، وأقبر بها..)، كما يحيلنا نسبه الناصري، إلى مكان ولادته ب(أولاد ناصر) إحدى فخدات فرقة أمنيع. ويتفق معه صاحب (الإعـلام..) في سنة الوفاة وملابساتها، لكن محمد غريط يختلف عنهما إذ يحددها في عام 1317 هجرية.
من أجل الحسم في مادة هذا النقص المصدري الذي أحبط لدينا فكرة إنجاز هذه الترجمة طوال ثلاث سنوات، قررنا التعامل بكل واقعية مع الحال القائم، والاكتفاء بما هو متداول عنه من إشارات وإفادات ريثما تنجلي أمامنا ينابيع أخرى حول أخبار وتراث هذا الفقيه العصامي، وسنتناولها على مدى مبحثين:
المبحث الأول بعنوان:
الفقيه العربي بن المقدم المنيعي والمنطلق المزابي.
ويتضمن سفرا استكشافيا في سكة الحياة الثقافية والتعليمية بالبلاد المزابية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونحاول من خلاله الإجابة عن بعض الأسئلة:
- ما هي مكونات البرامج التعليمية والتربوية التي كانت متبعة في الزوايا والمدارس العتيقة المزابية لهذا الوقت؟
- ما هي المراحل والمحطات التي كانت تشكل مساراتها وتستوعب موادها؟
- ماذا يمكن أن نستجليه عبرها من إفادات حول مجريات الحياة التعليمية الأولى للفقيه العربي بن المقدم المنيعي؟
المبحث الثاني بعنوان:
العربي بن المقدم المنيعي: الفقيه القاضي ورجل المخزن.
وسنعمل من خلاله على تسليط الأضواء صوب رحلته العلمية الكبرى إلى فاس وذكر بعض شيوخه، ثم نعرج على تفصيل الكلام حول مهامه التعليمية حينما كان مقيما بهذه المدينة أو عندما انتقل إلى مراكش لتولي خطة القضاء بها، ونتطرق كذلك للمهام المخزنية التي انتدب لها من طرف أعلى دوائر المسؤولية في الدولتين الحسنة والعزيزية، ونختم باستعراض قسمات من شعره وبعض القصائد التي قيلت فيه لتحليته والإشادة بشخصيته العلمية.

الفقيه العربي بن المقدم المنيعي في المنطلق المزابي:
أولا: